ابن عطية الأندلسي

364

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

هذه الآية وما بعدها وإن لم تكن أمرا بالصدقة فهي جالبة للنفوس إلى الصدقة ، بين عزّ وجل فيها نزغات الشيطان ووسوسته وعداوته ، وذكر بثوابه هو لا رب غيره . وذكر بتفضله بالحكمة وأثنى عليها ، ونبه أن أهل العقول هم المتذكرون الذين يقيمون بالحكمة قدر الإنفاق في طاعة اللّه عزّ وجل وغير ذلك ، ثم ذكر علمه بكل نفقة ونذر . وفي ذلك وعد ووعيد . ثم بين الحكم في الإعلان والإخفاء وكذلك إلى آخر المعنى . والوعد في كلام العرب إذا أطلق فهو في الخير وإذا قيد بالموعود ما هو فقد يقيد بالخير وبالشر كالبشارة . فهذه الآية مما قيد الوعد فيها بمكروه وهو الْفَقْرَ و « الفحشاء » كل ما فحش وفحش ذكره ، ومعاصي اللّه كلها فحشاء ، وروى حيوة عن رجل من أهل الرباط أنه قرأ « الفقر » بضم الفاء ، وهي لغة ، وقال ابن عباس : في الآية اثنتان من الشيطان ، واثنتان من اللّه تعالى ، وروى ابن مسعود عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : إن للشيطان لمة من ابن آدم وللملك لمة فأما لمة الشيطان فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق ، فمن وجد ذلك فليتعوذ ، وأما لمة الملك فوعد بالحق وتصديق بالخير فمن وجد ذلك فليحمد اللّه ، ثم قرأ عليه السلام الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ الآية ، والمغفرة هي الستر على عباده في الدنيا والآخرة ، والفضل هو الرزق في الدنيا والتوسعة فيه والتنعيم في الآخرة ، وبكل قد وعد اللّه تعالى ، وذكر النقاش أن بعض الناس تأنس بهذه الآية في أن الفقر أفضل من الغنى ، لأن الشيطان إنما يبعد العبد من الخير وهو بتخويفه الفقر يبعد منه . قال القاضي أبو محمد : وليس في الآية حجة قاطعة أما إن المعارضة بها قوية وروي أن في التوراة « عبدي أنفق من رزقي أبسط عليك فضلي ، فإن يدي مبسوطة على كل يد مبسوطة » وفي القرآن مصداقه : وهو وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ ، وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ [ سبأ : 39 ] و واسِعٌ لأنه وسع كل شيء رحمة وعلما ، ثم أخبر تعالى عن نفسه أنه يُؤْتِي الْحِكْمَةَ أي يعطيها لمن يشاء من عباده ، واختلف المتأولون في الْحِكْمَةَ في هذا الموضع فقال السدي : الْحِكْمَةَ النبوءة ، وقال ابن عباس : هي المعرفة بالقرآن فقهه ونسخه ومحكمه ومتشابهه وعربيته . وقال قتادة : الْحِكْمَةَ الفقه في القرآن ، وقاله مجاهد : وقال مجاهد أيضا : الْحِكْمَةَ الإصابة في القول والفعل ، وقال ابن زيد وأبوه زيد بن أسلم : الْحِكْمَةَ العقل في الدين ، وقال مالك : الْحِكْمَةَ المعرفة في الدين والفقه فيه والاتباع له ، وروى عنه ابن القاسم أنه قال : الْحِكْمَةَ التفكر في أمر اللّه والاتباع له ، وقال أيضا الْحِكْمَةَ طاعة اللّه والفقه في الدين والعمل به ، وقال الربيع : الْحِكْمَةَ الخشية ، ومنه قول النبي عليه السلام : « رأس كل شيء خشية اللّه تعالى » ، وقال إبراهيم : الْحِكْمَةَ الفهم وقاله زيد بن أسلم ، وقال الحسن : الْحِكْمَةَ الورع ، وهذه الأقوال كلها ما عدا قول السدي قريب بعضها من بعض لأن الحكمة مصدر من الإحكام وهو الإتقان في عمل أو قول . وكتاب اللّه حكمة ، وسنة نبيه حكمة . وكل ما ذكر فهو جزء من الحكمة التي هي الجنس . وقرأ الجمهور « من يؤت الحكمة » على بناء الفعل للمفعول . وقرأ الزهري ويعقوب « ومن يؤت » بكسر التاء على معنى ومن يؤت اللّه الحكمة ف مَنْ مفعول أول مقدم و الْحِكْمَةَ مفعول ثان ، وقرأ الأخفش : « ومن